تحويل السلطة لتحفيز الحركات: رحلتنا الشاملة لإعطاء المِنَح

December 16, 2021

تحويل السلطة. تتواجد هاتان الكلمتان في قلب رؤية “صندوق التمويل العادل” وهدفه الجوهري. كل يوم، نرى كيف تتعامل الحركات النسَوية مع تحديات العالم الكُبرى – وتبني حلولاً دائمة وقابلة لتوسيع نطاقها لمشاكل تبدو مُستعصية، مثل انعدام المساواة، والتغيّر المناخي، والنزاعات.  

في الوقت نفسه، نرى كيف تخسر مقارَبات الأعمال الخيرية والتنمية التقليدية هذه الإمكانية الكامنة منذ البداية، مع إبقاء المال والسلطة عند القمّة، وتجويع الحركات النسَوية للموارد والإدارة التي تستحقّ أن تبنيها هذه الحركات للمستقبل الذي نحتاجه جميعاً.    

في صُلب تصميمه، يُعتبر “صندوق التمويل العادل” هو تحدّياً للوضع الراهن. إنه وعد جماعي لفتح رأس المال من أجل تحرير كامل قوة الحركات النسَوية. معاً، نحن نعيد تصوّر وتخيّل المقارَبات القديمة على مستوى الأعمال الخيرية ، والاستثمار، والتمويل الحكومي في الوقت ذاته، مع نموذج يحوّل الموارد المُستدَامة والقابلة لتوسيع نطاقها إلى الحركات النسَوية على مدى فترات الحياة الآتية.  

في النهاية، تحويل السلطة يعني أكثر بكثير ممّا نُموّله. فهو يتطلّب أن نفحص كيفية توفيرنا الموارد للحركات، وكيف يمكننا زعزعة الممارسات الكولونيالية والبطريركية التي تستمر في الترسُّخ عميقاً في مجالنا. هذا يعني أن نتحرّك أبعد من الكلام وباتجاه الفعل – الرغبة في إجراء التجارب والمشاركة في ابتكار مناهج جديدة لممارسات الحَوكمة والتمويل. وبينما لدينا الكثير لنفهمه ونستوعبه، نحن ملتزمون بالرحلة، وبمشاركة ما نتعلّمه على طول الطريق.  

إعطاء المِنَح الشامل 

عندما تصوّرنا وبدأنا “صندوق التمويل العالمي”، انطلقنا للإيفاء باعتقاد والتزام راسخين  بالتضامن، والمُساءَلة، والشفافية مع الحركات. عندما بدأ “صندوق التمويل العادل”، عمِلنا مع “جمعية حقوق المرأة في التنمية” AWID لاستشارة الناشطات النسَويات عالمياً. 

في تقرير “جمعية حقوق المرأة في التنمية”، آمالٌ وتوقّعات كبيرة لتوفير موارد للحركات النسَوية، سلّطت الحركات النسَوية الضوء على أهمية إعطاء المِنَح الشامل مع أولوية  وضع قرارات التمويل في يد المجتمعات من منطلق المبدأ والفعّالية. وهذا يردد صدى النقاشات الحالية في كندا التي تسلّط الضوء على “أهمية ترك الممارسات العِرقية والإمبريالية التي بموجبها يفرض المانحون والخبراء في الشمال العالمي  حلولاً محلّ تساؤل للناس المحرومين تاريخياً والدول  والمجتمعات  المعتمِدة على المانحين“. عبر الاستماع لهذه النقاشات والتجاوب معها، كان واضحاً منذ البداية أن “صندوق التمويل العادل” سيستخدم استراتيجية المجتمع المُطّلِع لضمان حدوث التحول الضروري للسلطة من أجل دعم حركة عالمية باتجاه أعمال  خيرية غير كولونيالية أكثر وتمويل.           

على مدى ثمانية أشهر، صمّمنا وطبّقنا عملية مجتمع مُطّلِع بخصوص اتخاذ قرارات إعطاء المِنَح التشاركي أثناء إطلاق برنامجنا للمِنَح “التحفيزCatalyze. ومن خلال شراكة ديناميكية ما بين “صندوق تمويل تطوير المرأة الإفريقية” AWDF و”صندوق التمويل العادل”، قاد “صندوق تمويل تطوير المرأة الإفريقية” دعوة لتقديم العروض عبر القارة الإفريقية، واختيار في نهاية الأمر ٤٢ منظّمة نسَوية مُتجذّرة لتلقّي التمويل. وقاد “صندوق التمويل العادل” الدعوة عبر آسيا، وأميركا اللاتينية، والمحيط الهادئ، وأوروبا الشرقية، والشرق الأوسط، واختار ٣٠ شريكَ مِنَحٍ جديداً. معاً،وصل إجمالي المِنَح الـ٧٢72 مجتمعةً إلى مبلغ وقدره ٤،٣٦٥،٦٣٢4,365,632 دولاراً. قراءة المزيد عن شركائنا في المِنَح هنا.      

للقيام باختيار شركاء المِنَح الثلاثين الجُدد من قِبَل “صندوق التمويل العادل”، عمِلنا مع هيئة استشارية عالمية – وهي مجموعة من ١٠ قائدات نسَويات دعَمنَ عمليتنا لاتّخاذ القرار عبر إعطاء الاقتراحات والأفكار حول اختيار الفوج الجديد.  

يُلخِّص مخطط المعلومات البياني  التالي جدولنا الزمني خطوة بخطوة، ويشرح بالتفصيل طريقتنا في تطبيق أول عملية إعطاء مِنَح تشاركي لدينا، ويسلّط الضوء على العناصر والمبادئ الأساسية التي كانت مطلوبة لتوصيل العملية بالتوافق مع قيَمنا النسَوية.

بالإضافة الى  توثيق ومشاركة مجمل العملية، نرغب في مشاركة بعض أكثر العناصر عُمقاً حول الطريقة التي عِشنا التجربة من خلالها، وما الذي كسَبناه منها، وما الذي حملنَاه معنا كدروسٍ مُستقاة. هذه هي أفضل خمسة دروس واستنتاجات  جُمِعَت خلال نقاشات تفكير مُطوَّل مع عضوات الفريق حول صندوق التمويل. 

.1
يُظهِر صندوق التمويل قِيمَه ونواياه ليس من خلال الطريقة  التي يتحدّث بها، إنما عبر الجهات التي يُموِّلها وكيفية التمويل.

يُظهِر صندوق التمويل قِيمَه ونواياه ليس من خلال الطريقة التي يتحدّث بها، إنما عبر الجهات التي يُموِّلها وكيفية التمويل

أثناء بناء “صندوق التمويل العادل”، تحرّكنا عن قصدٍ أبعد من الرسائل الشائعة بتزايد في قطاعِنا واتّجهنا نحو الأفعال الحقيقية. دفعنا أنفسنا للقيام بالأمور الصحيحة بأمانة وقَصدِيّة، حتى ونحن نستمرّ في التعلّم. إن العمل الخيري النسَوي هو فعلٌ سياسي يبحث عن تحدّي وتحويل مفاهيم السلطة، والامتيازات، والموارد. يهدف نموذجنا إلى الالتقاء باللحظة التي نعيشها – ووضع التمويل مباشرة في أيدي القادة من النساء، والفتيات، والشابّات، وغير الثنائيين جنسياً، والدفع صوب المساواة، والعدالة، والتحويل بدل الاستجابات السطحية أو قصيرة المدى.   

كان إنشاء  هيئة استشارية عالمية GAP المكونة من ١٠ قيادات نسويات استثنائيات أحد أهم مظاهر التزامنا. لعبت هذه الهيئة ومجتمعنا المركزي دوراً حيوياً في ضمان أن تكون المُساءَلة النسوية في صُلب مقارَبتنا، وبقينا مُخلِصات لإعطاء المِنَح الشامل، واستراتيجيات المجتمع المُطَّلِع، ومبادئنا في التمويل النسَوي.   

علاوة على ذلك، ، حرصنا على ألا يكون إنشاء الهيئة الاستشارية العالمية مجرد تسديد خانة المهام، بل أن يكون تجربة هادِفة. وسعينا بجهدٍ لخلق إحساس مجتمعي عبر التعرّف على بعضنا البعض ودعم بعضنا البعض ونحن نعيش هذه الأوقات غير المسبوقة (ووصلات الإنترنت غير المستقرة). نحن نواصل التعلّم من الجولة الأولى، والتعرّف على المجالات حيث نحتاج إلى تحسين وصقل مقارَبتنا من خلال ردود الفعل المُرسَلَة من قِبَل عضوات الهيئة والاستشاريات.   

وبفضل الهيئة الاستشارية العالمية، نحن فخورون بأننا اخترنا ٣٠ مجموعة متنوّعة تعمل على ترابط قضايا غياب العدالة العِرقية، وحقوق النساء من السكّان الأصليين، والعاملات المهاجرات، واحتياجات النساء اللاجئات والنازحات، كذلك الحقوق الجنسية وحقوق الصحة الإنجابية. قراءة المزيد عن هذه المجموعات الجريئة هنا.   

.2
إدخال المجتمعات في صناعة القرار ليس أمراً ثنائياً، إنما توسيع للنطاق.

من حيث المبدأ، يكتسب إعطاء المِنَح التشاركي زخَماً واهتماماً جديدين في الأعمال الخيرية. مع ذلك، ما زال المموّلون غير متأكدين بشكل كبير من كيفية إحداث إعطاء المِنَح التشاركي في الممارسة الفعلية، وهم متردّدون في المحاولة خوفاً من ارتكاب أخطاء. لقد شعرنا بذلك أيضاً. ولكنّنا قرّرنا أن الأخطار ستكون عالية جداً إذا لم نبدأ، حتى لو كان يعني ذلك أن علينا التحرّك تدريجياً والاستمرار في التعلّم خلال الوقت الفعلي. لقد غُصنا في برنامج “التحفيز” لإعطاء المِنَح وأطلقناه، مُعلِنين نيّتنا لاستخدام استراتيجية المجتمع المُطَّلِع بخصوص اتخاذ القرارات.   

تَكثَّف الضغط لتوصيل نيّتنا نتيجة السياق العاجل للجائحة. فضلاً عن ذلك، كان علينا الاعتراف بأن نُموّنا السريع والتركيبة المطلوبة لإدارة صناديق التمويل الثنائية يمثّلان تقييداً ومحدودية. مع أخذ كل هذه الأمور بعين الاعتبار، قمنا باختيار نموذج الهيئة الاستشارية التي كانت ستمكّننا من إشراك المجتمع ورفع الخبرة الجماعية لاتخاذ قرارات مُطَّلِعة ضمن إطار زمني محدّد وتركيبةٍ يمكن إدارتها. نستمرّ في التطلّع باتجاه نماذج تشاركية معمّقة في المستقبل كتلك التي تستخدمها زميلاتنا، مثل “فريدا” FRIDA. ولكننا نُدرك أيضاً أن أمامنا رحلة – ونتقبّل بفرح الرأي بوجود العديد من المسارات التي تقود إلى إعطاء المِنَح التشاركي.      

.3
سيشكّل فشلاً لصندوق التمويل من الشمال العالمي لو غابت المُساءَلة أمام الحركات التي نخدمها في الجنوب العالمي.

لفترة طويلة، بحثَت الأعمال الخيرية والتنمية العالمية عن مقارَبات “الطلقة الفضّية” (علاج بسيط لمشكلة مستعصية) التي تَعِدُ بالتغيير في الأنظمة من القمّة حتى القاعدة. ورغم مرور سنوات عديدة وضخّ مليارات الدولارات، بقي التغيير الدائم بعيدَ المنال. المطلوب عِوَض ذلك هو حوار عميق مع المجتمعات والحركات ومُساءَلة أمامها: الناس أنفسهم الذين يسكنون في الأمكنة الأقرب إلى التحديات، والتعهّد لهم بأكثر الحلول الواعدة. إن مقارَبتنا لمجتمع مُطَّلِع هي واحدة من الطُرق العديدة التي نحترم فيها التزامنا بتقديم بديلٍ لمقارَبات التمويل في الماضي – وهي تحترم وترفع حكمة الحركات والمجتمعات كمُحفّز رئيسي للتغيير الدائم في حياة الملايين.       

إجراءات كوفيد 19 التي تضمّنت الإغلاق، والانقطاعات في السفر الدولي، والتباعد الاجتماعي، أكّدت على أن النظام الدولي، والذي بالرغم من الموارد الجيدة المزَوَّد بها ونطاقها الواسع، لم يكن في أفضل وضعيات الاستجابة للأزمة. عِوَض ذلك، كانت المجموعات والحركات المحلية جاهزة للاستجابة ومعالجة احتياجات مجتمعاتها. وهذا ليس بالأمر الجديد. في وجه الأزمات، تمسك المجموعات المحلية المُتجذّرة أعمق مستويات العلاقات وتعرف بالضبط كيفية التصرّف لدعم مجتمعاتها. سيكون من المنطقي ببساطة طلب خبرة هذه المجموعات لجعل عملية إعطاء المِنَح لدينا مُستنيرة.   

قد يشير البعض إلى هذا الأمر على أنه تكييف مع الواقع المحلي، لكن بالنسبة لنا، يعني إشراك القائدات النسَويات من تلك المجتمعات في صناعة قراراتنا أن تصميم الحلّ وتأثيره يبقَيان داخل المجتمع. مع مرور الوقت، وبينما نؤسّس الثقة مع شركائنا، نبني أيضاً معرفة أعمق بالكيفية التي تتغير وتتحوّل فيها الأمور – وهذا يعني أننا نستطيع الاستجابة بشكلٍ استباقي ومناسب في الوقت الفعلي.  

.4
نمتلك فرصة إعادة كتابة القواعد مع المجازفة – والتأكّد من أننا نتضامن مع الحركات العالمية.

أبعد من مسؤوليتنا الائتمانية كوكيل، تدفعنا علاقتنا بالحركات النسَوية إلى التفكير في المجازفة وإدارتها مع مزيدٍ من الفوارق البسيطة والمُساءَلة. كيف نُقِرّ بالمجازفات التي يأخذُها شركاؤنا في المِنَح كل يوم في عملهم وهم يناضلون للتغيير التحويلي؟ ما هي المجازفة في عدم تمويل هذا العمل؟ في عالم الشركات، يُعتبر أخذ المجازفات ضرورة حتمية وغالباً ما تتمّ مكافأتُها – إذاً لِمَ لا نكون مانحين جريئين؟       

نحن نعرف أن الحصول على دعم المجتمعات لصناعة قراراتنا أمرٌ جوهري. تجعلنا مساهمات المجموعات المُدَارة محلياً مُطّلِعين أكثر وتحضّرنا لعملية إعطاء المِنَح – أفضل بكثير مما يمكننا تحقيقه من منظورنا في الشمال العالمي وحده.  

.5
تُعتبر الأصالة قوية عندما يشارك المُموِّل الدروس تشجيعاً للنقاشات الصادقة والتحويلية. 

لقد تعلّمنا ممارسة التقدّم، وليس الكمال. في الواقع، العمليات التشاركية ليست فقط طريقة لاتخاذ القرارات بشأن التمويل، إنما هي تجربة تحويل طريقة ممارستنا السلطة. نؤمن بأن المموّلين يمكنهم ويتوجّب عليهم إدخال المجتمعات في عملية صناعة القرار. كما نعرف أن هذه المقارَبة ليست سهلة وتتطلّب مساحة للتجريب، والفشل، والتعلّم، وإعادة تصوّر أو تخيّل الأمور.  

لم تكن الأمور سهلة دائماً، لكننا حقّقنا تقدّماً – على طريقتنا الأصيلة – في الإصغاء المعمّق جنباً إلى جنب مع استشارياتنا، ومجتمعنا، وفيما بيننا أيضاً. في النهاية، يتمحور دائماً إشراك مجتمعنا في صناعة قراراتنا حول المُساءَلة، والشفافية، والبقاء مخلصين لأنفسنا وجوهرنا. وهذا كله هنا ليبقى.   

نقدّم الشكر لواريري موهانغي، وريمي أبي فرّاج، ومارين-سيليست كيروميرا، وسو سنايدر، وبيث ورونيوك، وجيس توملين، وكايتي لوف، وروبي جونسون اللواتي شاركنَ في هذه النقاشات المبنية على تفكير مُطوّل.

Related Articles

CONNECTION: Friendship Forged in Feminism

CONNECTION: Friendship Forged in Feminism

On October 27, our community hosted Dame Emma Thompson and Equality Fund Board Co-Chair Joanna Kerr for a powerful and personal conversation about friendship, feminist activism, and the power of connection. For more than a decade, Joanna and Emma have traveled the...

read more

Pin It on Pinterest

Share This